محمد جمال الدين القاسمي

21

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

ومعنى قوله : فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ أي مع كونهم في الموقف معا ، فرقنا بينهم ، وقطعنا الوصل التي بينهم ، فلا يبقى من العابدين توقع شفاعة ، ولا من المعبودين إفادتها ، لو أمكنتهم وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ إذ لم تكن عبادتكم عن أمرنا بل عن أمر الشيطان فكنتم عابديه بالحقيقة ، بطاعتكم إياه ، وعابدي ما اخترعتموه في أوهامكم من أباطيل فاسدة ، وأمانيّ كاذبة . قيل : القول مجاز عن تبرئهم من عبادتهم ، وأنهم عبدوا أهواءهم وشياطينهم ، لأنها الآمرة لهم دونهم ، لأن الأوثان جمادات وهي لا تنطق . وقيل : ينطقها اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ [ فصلت : 21 ] . فتشافههم بذلك ، مكان الشفاعة التي كانوا يتوقعونها . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة يونس ( 10 ) : آية 29 ] فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ ( 29 ) فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ أي لنا لَغافِلِينَ أي اللّه يعلم أنا ما أمرناكم بذلك وما أردنا عبادتكم إيانا . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة يونس ( 10 ) : آية 30 ] هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ( 30 ) هُنالِكَ أي في ذلك المقام المدهش ، حين قطع المواصلة ، وإنكار الشركاء العبادة تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ أي تختبر وتذوق كل نفس ما أسلفت من العمل ، فتعاين أثره من قبح وحسن ، وردّ وقبول ، كما يختبر الرجل الشيء ويتعرفه ، ليكتنه حاله . وهذا كقوله تعالى : يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ [ القيامة : 13 ] . وقوله : يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ [ الطارق : 9 ] . وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ الضمير للذين أشركوا ، أي ردوا إلى الله المتولي جزاءهم بالعدل والقسط وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ أي ضاع عنهم ما افتروه من اختراعاتهم ، وأصول دينهم ومذهبهم ، وتوهماتهم الكاذبة ، وأمانيّهم الباطلة . أي ظهر ضياعه وضلاله ولم يبق له أثر فيهم . وفي هذه الآية تبكيت شديد للمشركين الذين عبدوا ما لا يسمع ولا يبصر ،